صديق الحسيني القنوجي البخاري

48

فتح البيان في مقاصد القرآن

أنه جوزي هؤلاء كما جوزي أولئك فكانت العادة في عذاب هؤلاء كالعادة الماضية للّه في تعذيب طوائف الكفر من الأمم الماضية المكذبة فيما فعلوا وفعل بهم . كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ مفسرة لدأب آل فرعون وبيان لفعلهم أي دأبهم هذا هو أنهم كفروا بها فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ هذا بيان لما فعل بهم أي فتسبب عن كفرهم أخذ اللّه سبحانه لهم ، والمراد بذنوبهم معاصيهم المترتبة على كفرهم ، فالباء للملابسة أي فأخذهم متلبسين بذنوبهم غير تائبين عنها إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ على ما يريده شَدِيدُ الْعِقابِ جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 53 إلى 54 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 53 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ ( 54 ) ذلِكَ أي العقاب الذي أنزله اللّه بهم بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مجزوم بسكون النون المحذوفة تخفيفا أي ما كان مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ المراد بالنعمة هو محمد صلى اللّه عليه وسلم أنعم بها على قريش فكفروا به وكذبوه فنقله اللّه إلى الأنصار ، قاله السدي والجملة جارية مجرى التعليل لما حل بهم من عذاب اللّه أي أن ذلك العقاب بسبب أن عادة اللّه في عباده عدم تغيير النعمة التي ينعم بها عليهم مبدلا لها بالنقمة . حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من الأحوال والأخلاق بكفران نعم اللّه وغمص إحسانه وإهمال أوامره ونواهيه ، وهذا يعم الحال المرضية والقبيحة ، فكما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة كذلك تغير الحال المسخوطة إلى ما هو أسوأ منها ، هذا حاصل ما في الكشاف ، وذلك كما كان من آل فرعون ومن قبلهم ومن قريش ومن يماثلهم من المشركين ، فإن اللّه فتح لهم أبواب الخيرات في الدنيا ومنّ عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، فقابلوا هذه النعم بالكفر فاستحقوا تغيير النعم كما غيروا ما كان يجب عليهم سلوكه والعمل به من شكرها وقبولها . وجملة وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ معطوفة على ما قبلها داخلة معها في التعليل ، أي ذلك بسبب أن اللّه لم يك مغيرا وبسبب أن اللّه سميع يسمع ما يقولونه ، وعليم يعلم ما يفعلونه . ثم كرر ما تقدم فقال : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ لقصد التأكيد مع زيادة أنه كالبيان للأخذ بالذنوب بأنه كان بالإغراق ، وقيل إن الأول باعتبار ما فعله آل فرعون ومن شبه بهم ، والثاني باعتبار ما فعل بهم وقيل المراد بالأول كفرهم باللّه وبالثاني تكذيبهم الأنبياء ، وقيل الأول إخبار عن عذاب لم يمكن اللّه أحدا من فعله وهو ضرب الملائكة